أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

425

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : أنه بمعنى فاعل ، ك « ميمون ومشئوم » أي : أنت ساحر ، فلذلك تأتي بالأعاجيب ، يشير لانقلاب عصاه حيّة ، وغير ذلك . قوله : . . . لَقَدْ عَلِمْتَ . . . . قرأ الكسائي بضم التاء ، أسند الفعل لضمير موسى - عليه السّلام - أي : أني متحقق أن ما جئت به هو منزل من عند اللّه ، والباقون بالفتح على إسناده لضمير فرعون ، أي : أنت متحقق أن ما جئت هو منزل من عند اللّه ، وإنّما كفرك عناد ، وعن علي - رضي اللّه عنه - أنّه أنكر الفتح وقال : ما علم عدو اللّه قط ، وإنما علم موسى . والجملة المنفية في محل نصب ، لأنها معلقة للعلم قبلها . قوله : « بَصائِرَ » حال ، وفي عاملها قولان : أحدهما : أنه أنزل هذا الملفوظ به ، وصاحب الحال « هؤُلاءِ » ، وإليه ذهب الحوفي ، وابن عطية ، وأبو البقاء ، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل إلّا فيما بعدها ، وإن لم يكن مستثنى ولا مستثنى منه ، ولا تابعا له . والثاني : وهو مذهب الجمهور أنّ ما بعد إلّا لا يكون معمولا لما قبله ، فيقدّر لها عامل تقديره : أنزلها بصائر . وقد تقدم نظير هذه في « هود » عند قوله : إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . قوله : مَثْبُوراً مفعول ثان ، واعترض بين المفعولين بالنداء . والمثبور : المهلك ، يقال : ثبره اللّه ، أي : أهلكه ، قال ابن الزّبعرى : 3149 - إذ أجاري الشّيطان في سنن الغ * يّ ومن مال ميله مثبور « 1 » والثّبور : الهلاك ، قال تعالى : لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً « 2 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 104 إلى 108 ] وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً ( 104 ) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 105 ) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ( 106 ) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً ( 108 ) قوله : لَفِيفاً . فيه وجهان : أحدهما : أنه حال ، وأن أصله : مصدر لفّ يلفّ لفيفا ، نحو : النّذير والنّكير ، أي : جئنا بكم منضما بعضكم إلى بعض ، من لفّ الشّيء يلفّه لفّا ، والألفّ : المتداني الفخذين . وقيل : العظيم البطن . والثاني : أنه اسم جمع لا واحد له من لفظه ، والمعنى : جئنا بكم جميعا ، فهو في قوة التأكيد . قوله : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ . في الجار ثلاثة أوجه :

--> ( 1 ) انظر البيت في تفسير الطبري ( 15 / 117 ) ، البحر المحيط ( 6 / 69 ) ، القرطبي ( 10 / 338 ) ، الجمهرة ( 2 / 277 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 392 ) . ( 2 ) سورة الفرقان آية ، ( 14 ) .